التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الصبر ليس جميل



هذه حقيقة فالصبر ليس جميلاً فى حد ذاته،  وليس فيه أى نوع من أنواع الجمال، فالصبر صعب جداً، كالصبر على المصائب وفقد العزيز، أوالصبر على الفقر والحاجه وغيرها من الأمور، فكيف يكون الصبر جميلاً وأنت تعتصر من داخلك كل يوم وأحياناً كل لحظة؟!

 فجملة الصبر جميل غير صحيحة، والصحيح إن الصبر نتيجته هى الجميلة بل ورائعة، فالله سبحانه وتعالى يجازى الصبور جزاء لا يوصف لما يعانيه من ألم ومايتحمله من مصائب.


الصبر على أنواع  المصائب:

فمن يصبر على المرض وضياع الصحة، ولا يحقد على أحد فيشكر الله حتى لو رأى الأصحاء، ويتكيف مع مرضه، فهذا هو المعنى الحقيقى للصبر، أو من يصبر على الفقر ويعانى الجوع والحاجه، ويظل صامداً، ولا ينظر لما فى يد غيره، أو من يفقد عزيز  كان سند له  كأب أو أم أو أخ أو زوج أو حتى صديق فيصبر وهو واثق إن الله لن يتركه أبداً، أو يموت له  ابن أو ابنة فيصبر على الفراق ويحتسب عند الله خبراً، فكل هذه الابتلاءات ليست سهلة، وصاحب أى من هذه المحن يعانى بشدة لهذا فصبره عند الله ثمنه غالٍ.

فكن مطمئن أيها الصبور لأن أن الله عالم مدى الألم الذى تشعر به؛ والدليل إن الله سبحانه وتعالى ذكر ذلك الصبر والصابرين فى أكثر من موضع من القرآن الكريم، ومدحهم لأن الصبر هو الذى يميز بين المؤمن الحق وبين المؤمن بالقول فقط.



المصائب تأتى دفعة واحدة:

ولعل قصة نبى الله أيوب من أشهر وأعظم القصص التى تُعلمنا الصبر، فهى مثال حى لرجل واحد اجتمعت فيه أغلب المصائب التى يتعرض لها أغلب الناس؛ فمات ابناءه وضاع ماله ومرض؛ وعاش حياة رهيبة فعانى الفقر مع المرض مع فقد العزيز، فكل ابتلاء بمفرده يعد مصيبة، فسبحان الله الذى جعله يتحمل كل هذه المصائب بأشكالها المختلفة. 


والصبر هنا ليست مجرد شعور وقتى يمر فى لحظة ولكن الصبر فترة زمنية تأخذ من عمرك وتحيا بداخلها،  فتأمل قصة سيدنا أيوب يموت ابناءه وهناك من يعلم طعم مرارة موت الابن،  وخسر ماله وتذوق الفقر فمن أصعب أنواع الفقر هو الذى يأتى بعد الغنى والعزة، وزادت الابتلاءات بالمرض الشديد؛ ورغم ذلك صبر سيدنا أيوب ولم يكفر ولا حتى يشك فى رحمة الله سبحانه وتعالى، حتى عندما طالت مدة الكرب الذى عاشه، ظل صابر، وكان جزاء صبره إنه عاد إلى أفضل حال وكأنه لن يصبه مكروه فشفاه الله وعفاه وعاد ماله ورزقه الله بالولد، وضُرب به الناس المثل فى الصبر،  فأصبح أى شخص يقع فى مصيبة يهون عليه الناس اصبر فلقد  صبر كنبى الله أيوب، على مصائب أكثر من ذلك.

 

مصيبتي ليس لها مثيل:

وهناك من يحاول تضخيم مصيبته ليبرر لنفسه عدم تحملها، فنحن نعلم أن للمصائب أنواع كثيرة وكما سبق أن ذكرنا أشهرها الفقر وموت العزيز والمرض، ولم ننسى الظلم وهذا من أعظم المصائب خاصة لو  من أقرب الناس إليك! كما حدث لسيدنا يوسف الذى ظلمه أخوته ثم المرأة التى تربى فى بيتها.


 فقصة سيدنا يوسف تجعلنا نتوقف كثيراً فهو لم يُظلم مرة واحدة بل مرتين، فأول مرة ظُلم ترتب عليه إنه عاش بعيد عن أهله، وبسببهم بيع كعبد، وعاش كخادم ولكنه عندما كبر لم يعود وينتقم كمايحدث حالياً، وإنما اختار الصبر وترك الأمر لله، وعندما تعرض للظلم للمرة الثانية لم يكفر بالله وظل صابراً، لهذا عوضه الله سبحانه وتعالي عوض لا مثيل له، ولا يستطيع بشر أن يعوضه مثله، فمكنه فى الأرض، وبعدما كان خادم ثم سجين أصبح وزير.


قدرة الله لا تنتهى:

لو كنت مؤمن بأن زمن المعجزات انتهى؛  فأعلم أن قدرة الله لم ولن تنتهى، فقدرة الله سبحانه وتعالى هى التى تتحقق بها المعجزات، ومن كرم الله أنه يعطى ويهب من يشاء ليس الانبياء فقط، لهذا لا تستبعد أن يكرمك الله كرم يتعجب له الناس فليس مطلوب منك أن تكون نبياً.


 ومايؤكد ذلك أن خلو قصتى سيدنا أيوب وسيدنا يوسف من معجزة  خارقة للطبيعة كغيرهما من قصص الانبياء؛ فلم يملك أحدهم  إحياء الموتى كسيدنا عيسى؛ ولم يكن مع أحدهما عصاه سيدنا موسى التى تتحول إلى ثعبان تارة ويفلق بها البحر تارة يشق بها الصخر ليخرج ماء تارة أخرى،   ولم يتنزل عليهما كتاب يظل معجزة أبد الدهر كسيدنا محمد صلاوات الله وسلامه عليهم جميعًا، ولكن معجزتهم تكمن فى عنصرين أساسيين الصبر على البلاء والدعاء بثقة فى الله فقط، وهناك من يعترض بأنه يرى بوجود معجزة فى قصة سيدنا أيوب حيث روى إن السماء أمطرت ذهباً، وكذلك فى قصة سيدنا يوسف حيث أرجع الله الشباب للعجوز، ولكن الرد على ذلك إنه كانت الوسيلة الدعاء فقط، لم يكن معهم أى أداة أخرى كغيرهم من الانبياء والرسل، فإذا كان الله أعطاهم معجزات فهذا من واسع كرمه وفضله. فسيدنا أيوب تحمل مصائب مختلفة دفعة واحدة، أما سيدنا يوسف  فتحمل ظلمات، فظلمه كان مضاعف، فكان لابد من جزاء عظيم فمابالك بالله واسع الكرم والعطاء والفضل.


 

 لا مصيبة بلا عوض:

ومماسبق يتضح أن المعجزة فى قدرة الله وهى ممنوحة لكل عبد استطاع تحمل الصبر، فمن يصبر جزاؤه لا يضيع أبداً، والدلائل على ذلك كثيرة، فأنظر حولك فى كل بقاع العالم وسترى قدرة الله تحقق معجزات كثيرة، ألم ترى شخص عاجز ويئس الأطباء من علاجه وشفاه الله سبحانه وتعالى بكل سهولة؟  أم ترى شخص عانى الفقر الشديد وصبر وكافح وصار من أغنياء العالم؟ ألم ترى شخص مرض أو حدث له حادث جعله معاق جسدياً ورغم ذلك صبر فوفقه الله بقدرته وحقق نجاحات لم يحققها الأصحاء، وغيرها الكثير.

لهذا تذكر دائماً فى كل مره تصاب بمكروه أو تحدث لك مصيبة، أو تمر بظروف صعبة، أن تصبر؛ وتيقن أن الله سبحانه وتعالى سيعوضك عوض خاص بالصابرين فجزاء صبرك عند الله عظيم،  لهذا عندما كان يقع أحد الصالحين فى مصيبة كان يدعو" اللهم عوضنى عوض الصابرين، اللهم أجرنى فى مصيبتي وأخلفنى خيراً منها."


هيأ نفسك  لاستقبال الإمتحان:

وفى الحقيقة فى أيامنا هذه خصيصاً نحتاج لإضافة دعاء فوق الدعاء السابق"وهى اللهم صبرنا واعيننا على الصبر"، فكلنا نعلم إن الصبر نتيجته عظيمة، ولكن من الذى يستطيع التنفيذ؟ فعلينا بالتعود على الصبر، ومحاولة التكيف مع الظروف المعيشية الصعبة، وتهيئة أنفسنا على الصبر فى حالة حدوث أى مصيبة. 


 وتأهيل النفس وتدريبها على الصبر وقاية من السقوط، كما يحدث لبعض الأشخاص كمن ينتحر فجأة لأنه فقد أبيه أو أمه أو لأنه رسب فى الثانوية العامة، أو فشل فى حياته العملية أو الزوجية،  فكما وضحنا إنه الصبر ليس سهل، ولكننا نستطيع أن نتحلى بالصبر، وهنا يأتى سؤال مهم جداً 

وأخير: كيف نهيأ أو ندرب أنفسنا على الصبر وتحمل الشدائد والمصائب؟

من خلال نقوية إيماننا بالتقرب إلى الله والإستعانة به وقت الشدائد والمصائب، فعندما تقع فى كرب قل كما قال رحمة الله الشيخ الشعراوي، ياكرب أنا لى رب، فتذكر الله دائماً؛ وتمسك به وهو القادر أن يفك كربك، ويزيل همك، وينصرك على من ظلمك؛ ويعيد إليك حقك؛ هو القادر على تسديد ديونك وإنهاء همومك، ولكن علينا بالصبر أولاً ثم التيقن بالفرج الذى سيأتي حتماً من عند الله عز وجل، فلا تنتحر وتكفر وتظن إنك بذلك ستنهى حياتك الآليمة بالعكس أنت تبدأ حياتك المعذبة فى الآخرة، فحياتك فى الدنيا معدوده أما حياتك فى الآخرة غير محدودة، واذكركم واذكر نفسى بقول الله تعالى ( الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) فالمصيبة لن تدوم ومصيرنا الرجوع إلى الله عزوجل، فالنصبر.


            بقلم: منة الله بنت محمد

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف تتعلم المحاماه بمفردك؟

      تحدثنا فى المقالة السابقة عن أهم أداة يحتاج لها المحامى لينجح فى المحاماه، وهى أن يكون لديك لغة عربية فصيحة، وبالطبع هناك أدوات أخرى يحتاج لها المحامى.  ولكن قبل الخوض فى تفاصيل المقالة لو لم تقرأ المقالة السابقة؛ عليك قراءتها لأنها امتداد  لهذه المقالة للذهاب إليها اضغط هنا . ماهى الأداة الثانية لنجاحك كمحامى؟  المحامى فى العصر الحالى يختلف عن المحامى فى الماضى، وهذا أمر طبيعي، لأن العالم نفسه تغير، لهذا عليك أن تطور من نفسك كمحامى لتواكب العصر.   وكما أن اللغة العربية تحتاج لها فى شتى مناحى عملك في المحاماة من مرافعة وكتابة المذكرات وغيرها، فأنت أيضاً محتاج للغة العصر، وهى مهارات الحاسب الآلي (الكمبيوتر) وبالطبع لا ينفصل عنه الإنترنت.  هل المحامى المبتدىء هو وحده الذى يحتاج للغة العصر؟      لا يختلف الأمر لو كنت محامى مبتدىء أو خبرة كبيرة في المحاماة، فلا غنى عن الحاسب الآلي والإنترنت، فهما يمثلان لغة العصر الحديث وأدوات تساعدك أى شخص على النجاح فى أى مجال.   أما بالنسبة للمحاماة فسوف تساعد كثيراً كل درج...

أسرار لتكون من الصالحين

   إذا أردت أن تكون من الصالحين، إذا أحببت التقرب إلى الله عزوجل؛  فأبدأ مباشرة فى طاعته بنية خالصة؛ وكن عندك إصرار وعزيمة، ولا تترك أى شخص أو شيء يمنعك من الوصول لله، وكن واثق إن كل صعوبة فى البداية ستواجها أنت مثوب عليها؛ وإصرارك على العبادة سيرفع منزلتك عند الله سبحانه وتعالى ووقتها سيجعل العبادة سهلة عليك لدرجة إنه يقربها لك بشكل تتعجب أنت منه، وفيما يلى نقدم إليك بعض الأسرار التى تساعدك إن شاء الله لتكون من الصالحين.  بمن تستعين؟ بأهلك؟ أم أصاحبك؟ أم تعتمد على نفسك فقط؟ فأعلم أن كل ماسبق لن ينجح وحده بدون الله؛ فاستعن بالله وحده؛ كل فرد منا لديه نقطة ضعف أو أكثر هى عبارة عن العراقيل التى تمنعه عن طاعة الله عزوجل بشكل تام أو عن تأديتها بشكل سليم، والحل هو الاستعانة بالله نفسه ليس بالبشر؛ فقد ينسى أخوك إيقاذك للفجر أو تمرض أمك فلاتقدر على القيام لإيقاذك أو يغفل صديقك أو ينشغل عنك بظرف طارىء أو يموت أبوك الذى كنت تعتمد عليه ليعينك على طاعة الله عزوجل. لهذا فأنت  فى حاجه لشخص لا يموت ولا يمرض ولا يغفل ولا يشغله شىء عن شىء، ولا تأخذه سِنة ولا...

أسرار التقرب إلى الله

هذه المقالة تعتبر الجزء الثاني من مقالة أسرار لتكون من الصالحين واخترنا هذا العنوان لأنك قد لا تصل بأعمالك لتكون من الصالحين ولكنك تستطيع التقرب إلى الله فى كل وقت وحين وإليك أهم الأسرار: تصدق بما تُحب: من أسرع الطرق التى ترفع درجاتك لتكون فى صف الصالحين هى الصدقة؛ وخصوصًا لو تصدقت بما تُحب، ليس أى شىء تُخرِجَه وتُعطِيه للفقير يعتبر صدقة، فيجب أن يكون شىء ينتفع به الفقير، فإذا أردت أن تتصدق بطعام لا تخرج طعام فاسد انتهت صلاحيته أو ملابس مُهلكه؛ أو شىء لا يصلح للإستخدام!  فتصدق بملابسك القديمة شرط أن تكون صالحة للإستخدام فأحرص ألا تكون بها قطع أو مُهلكة، وسوف تنال أجرك عند الله، أما لو أردت أجر مضاعف ومنزله أعلى، فتصدق بماتُحب، فقال الله تعالى فى سورة أل عمران آيه(92):" لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ". صدق الله العظيم، ففى تفسير ابن كثير قيل فى معنى البر أى الجنة، وفى تفسير السعدى ورد فى قوله تعالى: ( لن تنالوا) أي: تدركوا وتبلغوا البر الذي هو كل خير من أنواع الطاعات وأنواع ...